الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

127

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

حاكمة على كل موجود ( ولا فرق في الغرائز والدوافع سواء كانت داخلية أم خارجية ) . فمثلا ، إن الله خلق ثدي المرأة وجعل في اللبن لتغذية الطفل ، وفي ذات الوقت جعل عاطفة الأمومة شديدة عند المرأة ، ومن الطرف الآخر جعل في الطفل ميلا غريزيا نحو ثدي أمه ، فكل هذه الاستعدادات والدوافع وشدة العلاقة الموجودة بين الام والابن والثدي مقدر بشكل دقيق ، كي تكون عملية السير نحو الهدف المطلوب طبيعية وصحيحة . وهذا التقدير الحكيم ما نشاهده بوضوح في جميع الكائنات . وبنظرة ممعنة لبناء كل موجود ، وما يطويه في فترة عمره من خطوات في مشوار الحياة ، تظهر لنا بوضوح الحقيقة التالية : ( ثمة برنامج وتخطيط دقيق يحيط بكل موجود ، وثمة يد مقتدرة تهديه وتعينه على السير على ضوء ما رسم له ) ، وهذه بحد ذاتها علامة جلية لربوبية الله جل وعلا . وقد اختص الإنسان بهداية تشريعية إضافة للهداية التكوينية يتلقاها عن طريق الوحي وإرسال الأنبياء عليهم السلام ، لتكتمل أمامه معالم الطريق من كافة جوانبه . وتوصلنا الآية ( 50 ) من سورة طه لهذا المعنى ، وذلك لما نقلت لنا سؤال فرعون إلى موسى ( عليه السلام ) بقوله : ومن ربكما يا موسى ، فأجابه ( عليه السلام ) : ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى . وقد فهم قول موسى ( عليه السلام ) بشكل مجمل في زمانه ، وحتى في زمان نزول الآية المباركة في صدر الدعوة الإسلامية ، ولكن . . مع دوران عجلة الأيام ، وتقدم العلوم البشرية ، توصل الإنسان إلى معارف كثيرة ومنها ما يختص بمعرفة أنواع أحوال الموجودات الحية ، فتوضح قول موسى ( عليه السلام ) أكثر فأكثر ، حتى كتبت آلاف الكتب في موضوع ( التقدير ) و ( الهداية التكوينية ) ، ومع ما توصل إليه العلماء من معلومات